أبو الليث السمرقندي
359
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : ذُو مِرَّةٍ يعني : ذي قوة . وأصل المرة : القتل ، فيعبر به عن القوة . ومنه الحديث : لا تحلّ الصّدقة لغنيّ ولا لذي مرّة سوي . ثم قال عز وجل : فَاسْتَوى يعني : جبريل عليه السلام . ويقال : فَاسْتَوى يعني : محمدا صلّى اللّه عليه وسلم وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يعني : من قبل مطلع الشمس جبريل ، فرآه على صورته ، وله جناحان ، أحدهما بالمشرق ، والآخر بالمغرب . ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فكل ما دنا منه ، انتقص حتى إذا قرب منه مقدار قوسين ، رآه كما في سائر الأوقات ، حتى لا يشك جبريل فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ يعني : في القرب مقدار قوسين . وقال بعضهم : ليلة المعراج ، دنا من العرش مقدار قوسين ، وإنما ذكر القوسين لأن القرآن نزل بلغة العرب ، والعرب تجعل مساحة الأشياء بالقوس . ويقال : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ يعني : قدر ذراعين ، وإنما سمي الذراع قوسا ، لأنه تقاس به الأشياء . أَوْ أَدْنى يعني : بل أدنى . ويقال : أو بمعنى واو العطف . يعني : مقدار قوسين أو أقرب من ذلك . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 10 إلى 18 ] فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 ) قوله تعالى : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى يعني : أوحى اللّه تعالى إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقرأ عليه جبريل ما قرأ . ويقال : تكلم مع عبده ليلة المعراج ما تكلم . ويقال : أمر عبده بما أمر . ثم قال : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى يعني : ما كذب قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلم ما رأى بصره من أمر ربه في رؤية جبريل عليه السلام . ويقال : في رؤية اللّه تعالى بقلبه . قال محمد بن كعب القرظي ، والربيع بن أنس ، سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، هل رأيت ربك : فقال : رأيته بفؤادي . ولم أره بعيني ، قرأ الحسن ما كذّب بتشديد الذال وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ومعناه لم يجعل الفؤاد رؤية العين كذبا . والباقون : بالتخفيف . يعني : ما كذب فؤاد محمد صلّى اللّه عليه وسلم فيما رأى . ثم قال عز وجل : أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى قرأ حمزة : أفتمرونه بنصب التاء ، وجزم الميم بغير ألف . وهكذا روي عن ابن مسعود ، وابن عباس رضي اللّه عنهما ، ومعناه : أفتجحدونه فيما رأى . والباقون : أَ فَتُمارُونَهُ يعني : أفتجادلونه لأنه رأى من آيات ربه الكبرى .